عبد الكريم الخطيب
805
التفسير القرآنى للقرآن
فمعنى القدرة في الآية الكريمة ليس معناه القدرة المتحكمة ، المتمكنة ، وإنما معناه الاستطاعة التي تمكن صاحبها من بلوغ ما بلغه غيره من الناس ، في السبق إلى منازل الفضل والإحسان . ومعنى القدرة على فضل اللّه ، إمكان التعرّض له ، والنيل منه ، على حسب ما يعمل الإنسان ، في سبيل مرضاة ربه ، وابتغاء رضوانه . وفي اقتصار فضل اللّه على شئ منه في قوله تعالى « أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ » - في الاقتصار على هذا ليس من باب التحدي بالقدرة على هذا الشيء من الفضل ، فضلا عن الفضل كله ، وإنما هو إشارة إلى أن هذا الشيء من فضل اللّه ، هو من الكثرة بحيث يسع الوجود كله ، وأنه إذ أخذ العرب من هذا الشيء ما أخذوا ، فإن ما أخذوه ليس إلا قطرة من بحر يمدّه من بعده سبعة أبحر . . والآية الكريمة إنما تخاطب بهذا أهل الكتاب ، الذين غلب على تفكيرهم - وخاصة اليهود منهم - أنهم شعب اللّه المختار ، وأن اللّه سبحانه إذا اختار شعبا - كما يزعمون - فإن فضله كلّه يتجه إلى هذا الشعب ، فلا تكون منه بعد هذا بقية ينالها أحد ! وهذا من سوء ظنهم باللّه ، وتصورهم القاصر المحدود ، لجلاله وعظمته ، وكماله . . ولهذا كان الحديث إليهم عن شئ من فضل اللّه ، وأن هذا الشيء من فضل اللّه ، يسع الوجود كله . . وإذن فلا يحجبهم عن الإيمان برسول اللّه هذا الشعور الخاطئ الذين يعيشون به ، والذي يحيّل إليهم منه أن العرب إذ سبقوا إلى فضل اللّه ، فلن يكون لأحد من بعدهم نصيب في هذا الفضل . . ورتّل بعد هذا الآيتين الكريمتين معا :